الجمارك تصادر بزّة الفدائي... والمقاومة تدخل المنفى مجردة من سلاحها
المصدر: كتاب المركز العربي للمعلومات
الوصف والتحليل
يقسّم ناجي العلي الرسم إلى ثلاثة مشاهد متتابعة من اليمين إلى اليسار، يظهر فيها فدائي فلسطيني يرتدي الكوفية وبزّة عسكرية مموّهة. في المشهد الأول، يتقدم الفدائي بملابسه العسكرية الكاملة، ثم يمر في المشهد الثاني أمام حاجز كُتبت عليه كلمة «الجمارك»، حيث تبدأ الرقع العسكرية بالتساقط من بزّته وتتكدس على الأرض. أما في المشهد الثالث، فيواصل سيره مرتديًا ملابس خالية من التمويه العسكري، وقد انحنت قامته وبدت عليه ملامح الحزن والانكسار. ويحوّل ناجي العلي حاجز الجمارك إلى رمز سياسي، إذ لا تُصادر فيه البضائع أو الأموال، بل تُنتزع من الفدائي هويته القتالية، في إشارة إلى القيود المفروضة على المقاومة الفلسطينية بعد مغادرتها بيروت إلى المنافي العربية.
الدلالة السياسية: ينتقد الرسم التحول الذي فرضه خروج المقاومة الفلسطينية من بيروت عام 1982، وما رافق انتقال الفدائيين إلى بلدان عربية أخرى من قيود سياسية وعسكرية على نشاطهم. فالجمارك هنا ليست مؤسسة حدودية عادية، بل رمز للسلطات التي تسمح بدخول المقاتل الفلسطيني إلى أراضيها، لكنها تسعى إلى تجريده من صفته المقاومة. وتكمن المفارقة الساخرة في أن الفدائي يعبر الحدود حاملًا تاريخه النضالي، لكنه يفقد تدريجيًا المظهر الذي يجسّد هويته العسكرية، حتى يصبح في المشهد الأخير مجرد رجل حزين يسير نحو المجهول. ويوحي الرسم بأن المنفى لا يعني الابتعاد عن الأرض فحسب، بل قد يعني أيضًا فقدان القدرة على مواصلة النضال بالشكل الذي اختاره الفدائي، في نقد للسياسات العربية التي قيّدت العمل العسكري الفلسطيني.
السياق التاريخي: يأتي الرسم ضمن سلسلة تناول فيها ناجي العلي خروج مقاتلي منظمة التحرير الفلسطينية من بيروت عقب الاجتياح الصهيوني عام 1982، وتوزعهم على عدد من البلدان العربية بموجب ترتيبات الإجلاء التي توسط فيها المبعوث الأمريكي فيليب حبيب. ويضيف الرسم إلى مشاهد الوداع والحنين التي سبقته بُعدًا سياسيًا جديدًا، يتمثل في مصير الفدائي بعد وصوله إلى المنفى، وما قد يواجهه من قيود على ممارسة العمل المقاوم. ولا يحدد الرسم دولة بعينها أو إجراءً جمركيًا موثقًا، وإنما يستخدم الجمارك استعارةً لانتزاع الهوية القتالية للفدائي.