من بيروت إلى المنافي.. تلاشي الفدائي
المصدر: كتاب المركز العربي للمعلومات
الوصف والتحليل
يقسّم ناجي العلي الرسم إلى أربعة مشاهد متتابعة من اليمين إلى اليسار، تصوّر خروج الفدائي الفلسطيني من بيروت عام 1982، عقب الاجتياح الصهيوني والاتفاق على انسحاب قوات منظمة التحرير الفلسطينية. تظهر لافتة تشير إلى «بيروت» باتجاه اليمين، وإلى «العواصم العربية» باتجاه اليسار. يبدأ الفدائي رحلته مرتديًا زيه العسكري المرقّع وحاملًا بندقيته، لكنه كلما ابتعد عن بيروت وتقدّم نحو المنافي العربية، أخذ يغوص تدريجيًا في المياه، وتتلاشى ملامح زيه العسكري ورقعه المميزة، حتى لا يبقى ظاهرًا منه سوى رأسه. ويستخدم الفنان هذا التحول التدريجي للتعبير عن ابتعاد المقاومة الفلسطينية عن خطوط المواجهة المباشرة، وفقدان الفدائي شيئًا من هويته القتالية كلما ابتعد عن ساحة الصراع.
الدلالة السياسية: ينتقد ناجي العلي نتائج خروج المقاومة الفلسطينية من بيروت وتشتتها في العواصم العربية البعيدة عن فلسطين، مصوّرًا الرحيل بوصفه بداية تراجع في القدرة على المواجهة المسلحة. فالغرق التدريجي لا يرمز إلى الموت الجسدي، بل إلى خطر الذوبان السياسي والعسكري في المنافي، بينما يمثل تلاشي الزي العسكري فقدان الدور القتالي الذي اكتسبه الفدائي على جبهات المواجهة. وتكمن المفارقة في أن الفدائي يخرج من بيروت حاملًا سلاحه، لكنه كلما ابتعد عنها فقد المزيد من ملامحه، وكأن المسافة الجغرافية عن فلسطين تتحول إلى مسافة عن مشروع التحرير نفسه.
السياق التاريخي: عقب الاجتياح الصهيوني للبنان وحصار بيروت صيف عام 1982، جرى التوصل إلى ترتيبات لخروج قيادة منظمة التحرير الفلسطينية ومقاتليها من العاصمة اللبنانية، بوساطة أمريكية وإشراف قوة متعددة الجنسيات. ونُفّذ الانسحاب بين 21 آب و1 أيلول 1982، حيث توزعت القوات الفلسطينية على عدة بلدان، منها تونس وسوريا والجزائر والعراق واليمن والأردن والسودان، وانتقل مركز القيادة الفلسطينية لاحقًا إلى تونس. وقد أدى الخروج إلى إبعاد جزء كبير من القوات الفلسطينية عن خطوط المواجهة المباشرة، وهو التحول الذي يتناوله ناجي العلي نقديًا في هذا الرسم.